جلال الدين السيوطي
272
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فلسين ، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال ، وكان آية في الذكاء ، وكان سبب موته أنّه قال : أريد أن أعمل نوعا من الحساب تمضي به الجارية إلى القاضي فلا يمكنه أن يظلمها ، فدخل المسجد وهو يعمل فكره ، فصدمته سارية وهو غافل ، فانصرع ومات ، وذلك في سنة خمس وسبعين ومائة ، وقيل : سنة سبعين ، وقيل : سنة ستين . وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم ، وذلك هو الذي أحدث له علم العروض ، فإنّهما متقاربان في المأخذ . وقال حمزة الأصبهانيّ في كتاب التنبيه على حدوث التصحيف « 1 » : وبعد ، فإنّ دولة الإسلام لم تخرّج أبدع للعلوم التي لم يكن لها أصول عند علماء العرب من الخليل ، وليس أدلّ على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ، ولا عن مثال تقدّمه احتذاه ، وإنّما اخترعه من ممرّ له بالصفّارين من وقع مطرقة على طست ليس فيها حجة ولا بيان تؤديان إلى غير حليتهما ، أو يفسدان عين جوهرها ، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشكّ فيه بعض الأمم لصنعه ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ، ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة كلّ أمّة من الأمم قاطبة ، ثم من إمداده سيبويه في علم النحو بما صنّف كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام . وروى الصوليّ عن محمد بن يحيى الأدميّ عن عبد الله بن الفضل عن أبيه قال : كان عندنا رجل يعطي دواء لظلمة العين ينتفع به ، فمات ، فأضرّ ذلك بمن كان يستعمله ، فذكر ذلك للخليل ، فقال : أله نسخة ؟ قالوا : لم نجد له نسخة . قال : فهل كان له آنية يعمل فيها ؟ قالوا : نعم ، قال : فجيئوني بها . فلما جيء بها جعل يشمّها ويخرج نوعا نوعا حتى ذكر خمسة عشر نوعا ، ثم سأل عن جمعها ومقاديرها ، فعرف ذلك من يعالج مثله فعله ، وأعطاه الناس ، فانتفعوا به . ثم وجدت النسخة في بعض كتب ذلك الرجل ، فوجدت الأخلاط ستة عشر خلطا ، كما ذكر الخليل ، لم يغفل منها إلا خلطا واحدا .
--> ( 1 ) التنبيه على حدوث التصحيف : 129 - 131 .